كنائس عابود

دراسة أثرية تاريخية

قُدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الماجستير في الآثار الإسلامية بالمعهد العالي للآثار الإسلامية - جامعة القدس

إعداد

إبراهيم خليل نيروز

إشراف

الدكتور نظمي الجعبة

2000م

 

المحتويات

الأهداء

شكر وعرفان

المقدمة

الفصل الأول :مدخل إلى التاريخ الكنسي في فلسطين

- المسيحية في عصرها الأول

- الاهتمام الروماني - البيزنطي بفلسطين

- ملامح دخول الديانة المسيحية على الحضارة الرومانية

- نموذج بناء الكنيسة البيزنطي

- الكنيسة في فلسطين منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية عصر الصليبي

- نموذج بناء الكنيسة الصليبية

الفصل الثاني : رام الله

- رام الله في التقسيم الإداري

- الأسماء القديمة لرام الله

- آثار رام الله والمنطقة المحيطة

الفصل الثالث : قرية عابود

- الموقع الجغرافي

- تاريخ القرية

- أسماء القرية

- المصادر التاريخية

- آثار القرية

الفصل الرابع : كنائس عابود

- مدخل

- كنيسة القديسة مريم العذراء

- دير سمعان

- كنيسة القديس عوبديا

- كنيسة القديس ثيودوروس

- كنيسة أو دير القديسة انسطاسيا

- كنيسة ودير القديسة برباره

- كنيسة الشعيرة

- كنيسة الميسه

- دير مار الياس (الكوكب)

 

 

 

الإهداء

 

 

إلى زوجتي فيرا التي تحملت وتتحمل الكثير من اجل إنجاز هذا العمل

 

إلى أبنائي رنيم وخليل اللذان كثيراً ما عبثا بأوراق ومخطوطات هذه الدراسة

 

إلى ذكرى خالي نبيل صبحي الجلدة الذي احب عابود وطالما حدثني عنها

 

اهدي عملي هذا

 

إبراهيم نيروز

 

 

 

 

        كلمة شكر وعرفان بالجميل

 

- الشكر اولاً واخيراً إلي الله سبحانه، الذي سمح بنعمته الغامرة أن اتمم هذه الدراسة لتكون بمثابة سراج بسيط قد يسلط الضوء على الكنائس في قرية عابود

- الشكر للمعهد العالي للآثار الإسلامية بكل هيئاته الإدارية والتدريسية، واخص بالذكر مدير المعهد الدكتور مروان أبو خلف الذي قدم لي الكثير من اجل إتمام هذا العمل، ثم إلى أستاذي القدير الدكتور روبرت شك ( Robert Schick ) الذي قدم لي النصائح الكثيرة، وساعدني كثيراً في أيجاد بعض مصادر الدراسة وترجمة بعضها من اللغة الإيطالية .

- الشكر للدكتور نظمي الجعبة الذي قبل الإشراف على هذه الدراسة، حيث لم يبخل علي بوقته وجهده وعلمه في متابعة مراحل هذه الدراسة حيث قدم لي كل عون وارشاد لإتمام هذا العمل .

- الشكر العميق لدائرة الآثار الفلسطينية وعلى رأسها الدكتور حمدان طه، الذي قدم لي كل مساعدة وعون لاتمام هذا العمل .

- شكري العميق إلى والدي ووالدتي الأعزاء اللذان رغبا في دفع معظم تكاليف دراستي من اجل الحصول على درجة الماجستير، فلهم مني جزيل الشكر والتقدير

- شكري ايضاً إلى كل من ساعدني في مجال جمع مصادر الدراسة أو بالزيارات الميدانية والتصوير والتوثيق أو الترجمة من لغات متعددة، واخص بالذكر عمي السيد حليم حداد وأختي جوليانا نيروز، كما اشكر الأب اكثم حجازين راعي كنيسة عابود لللاتين والاخت رنا مفرح والاستاذة مها مجج والاخت بوني تولند ( Bonnie Toland ) والاستاذ يوسف ملحم والسيد جمال عنفوص على كل ما قدموه، كما واخص بالشكر مكتبة الآثار البريطانية، ومكتبة الآثار الأمريكية (اولبرايت) في القدس .

 

 

المقدمة

        نشأت الديانة المسيحية على هذه الأرض الفلسطينية العزيزة، وحمل رسالتها أُناس من هذا البلد إلى كل العالم وحتى اقاصي الأرض، ولكونها ذات منشأ فلسطيني وعلى أرض فلسطين، فجدير بنا أن نبحث بتاريخها على هذه الأرض الطيبة خلال حقبات الزمن المختلفة، ولكون البحث في هذا الموضوع واسع جداً، وجب تناول منطقة جغرافية محدة، واخضاعها للدراسة العلمية من أجل تسليط الضوء عليها لكي تكون عيّنة لباقي المناطق الفلسطينية .

 

وكانت هذه العيّنة هي قرية عابود التي تقع إلى الشمال من مدينة رام الله والتي كان لها أهمية كبيرة لكونها تقع على الطريق الرئيس الذي يصل الجليل بالقدس والتي تسمى طريق الساحل، وهذه الطريق التي سلكها المسيح "عليه السلام" مراراً في تجواله بين الجليل والقدس، وهذا ما أعطى أهمية دينية كبيرة للقرية، إضافة إلى احتمال وجود بعض الأنبياء القدماء قديماً في القرية مثل النبي عوبديا أو احتمال دفن بعضهم هناك مثل يشوع بن نون، وفيما بعد هناك احتمال سكن بعض القديسين مثل القديسة برباره .

 

ورد ذكر قرية عابود عند الجغرافي العربي ياقوت الحموي الذي زارها في القرن الثالث عشر، ثم قام بعض الباحثين بدراسة القرية أو أجزاء منها عبر قرن من الزمان تقريباً، فنجد الباحثين مصطفى الدباغ وحسين العودات ومحمد شراب والدكتور حمدان طه 1997-1999 أما من الباحثين الأجانب فنجد Guerin 1874, Conder and Kitchener 1881-1883, Schneider 1933, Crowfoot 1941, Milik 1960-1961, Medebielle 1965, Bagatti 1960-1971-1979, Avi-Yonah 1981, Pringle 1982-1993, Schick 1995, كان هؤلاء اهم من تحدث عن القرية وكتب عنها في مؤلفاتهم، ولكن كل هذه الدراسات والمقالات كانت تتناول أجزاء من القرية، فلم تحظ القرية بالاهتمام العلمي الكافي إلا بعد الكشف عن النقش التاسيسي الآرامي المتميز الذي تم الكشف عنه في كنيسة القديسة مريم العذراء، حيث قام فيما بعد بدراسته الأب Milik في الستينات ولكنبشكل عام لم تحظ القرية بالاهتمام الكافي في الدراسة والتحليل، فيوجد في القرية تسع كنائس ومواقع أثرية اخرى، ولكن الدراسة العلمية كانت فقط من نصيب واحدة منها إلا وهي كنيسة القديسة مريم التي قامت دائرة الآثار الفلسطينية بدراستها بعد إقامة حفرية إنقاذية لها كان من نتائجها تحديد تأريخ للكنيسة بشكل علمي ودقيق، لكن باقي الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية الاخرى لم تحظ بهذا الاهتمام في الدراسة والتحليل، علماً بأن المواقع الأثرية في القرية تمتد في قرون زمنية متعددة تبدأ من العصر اليوناني والروماني ولغاية اليوم .

وبسبب هذا النقص في الدراسات الشاملة للقرية، وهذا التجاهل الواضح لها، فقد قررت تناولها بالدراسة وخصوصاً الكنائس والأديرة الموجودة بها .

 

ومن أجل الوصول إلى دراسة متكاملة للقرية ومواقعها الأثرية المهمة فقد بحثت عن مصادر متنوعة للمعلومات، كان أهمها العودة إلى كتابات الباحثين والأثريين، ثم العودة إلى بعض المراجع التي تتحدث عن الكنيسة الفلسطينية، وعن طبيعة عمارة وبناء الكنائس في حقبات زمنية مختلفة، ثم العودة إلى تقارير الحفريات التي اجريت في القرية، ثم متابعة التقليد الشفوي المتداول بين الناس من جيل إلى جيل، ثم الزيارات الميدانية للمواقع الأثرية وتصويرها وتوثيقها وقياسها ووصفها وما إلى ذلك .

 

احتوت الدراسة على أربع فصول، كل فصل منها مقسم إلى أجزاء على النحو التالي :-

الفصل الأول : مدخل إلى التاريخ الكنسي في فلسطين، ويتناول هذا الفصل مدخل عام إلى تاريخ الكنيسة في فلسطين وهو مقسم إلى أجزاء، حيث يتناول الجزء الأول تاريخ المسيحية منذ القرن الأول وحتى وصول حملة الملكة هيلانه إلى فلسطين لبناء الكنائس، ثم الجزء الثاني ويتناول الاهتمام الذي أولاه الرومان لفلسطين وكيفية اعتناقهم للديانة المسيحية، وبدء عصر جديد على الحضارة الرومانية دعي بالحضارة البيزنطية، وجزء آخر يتحدث عن تأثير الديانة المسيحية على هذه الحضارة .

 

وعندما حدث الانتشار للمسيحية في فلسطين بدأت عمارة الكنائس تظهر، فهناك جزء خاص يتناول عمارة الكنائس منذ البدايات، والشكل الذي استقرت عليه في النهاية، ثم يأتي دور الفترة الإسلامية وأهمية فلسطين في هذه الحقبة الزمنية المهمة من تاريخ المنطقة، ثم تأتى فترة حروب الفرنجة التي قسمت الفترة الإسلامية إلى قسمين، وتركت لنا كمّاً كبيراً من الآثار، وقد تناولت ايضاً نموذج الكنيسة الفرنجية .

 

        الفصل الثاني : رام الله، ويتناول هذا الفصل المحافظة التي تقع بها قرية عابود موضوع الدراسة، فقد تناولت المدينة في التقسيمات الإدارية المختلفة عبر الزمن، ثم الأسماء القديمة المختلفة للمدينة، ثم الآثار الموجودة في المدينة والمنطقة المحيطة بها .

 

        الفصل الثالث : قرية عابود، وهنا في هذا الفصل ندخل إلى القرية التي هي موضوع الدراسة، إذ نحدد الموقع الجغرافي لها وأهميته، ثم نتناول تاريخ القرية عبر الزمن، ثم نبحث في أسماء القرية الأخرى إضافة إلى الاسم الحالي وجذوره ومدلولاته، ثم نتناول القرية من خلال المصادر التاريخية القديمة التي ذكرت القرية، ثم الآثار غير الكنسية في القرية، حيث أن الآثار الكنسية هي موضوع الرسالة والتي ستأتي بالدراسة التفصيلية لاحقاً .

 

        الفصل الرابع : كنائس عابود، فقد وضعت مدخلاً عاماً للموضوع، تناولت به ذكر الباحثين للكنائس والتقسيمات التي وضعوها إذ قسموا الكنائس إلى قسمين، الكنائس التي تقع خارج القرية والكنائس التي تقع داخل القرية، ثم دخلت إلى الكنائس نفسها، وقد كانت أولها كنيسة القديسة مريم العذراء، فقد تناولت التسمية ومدلولاتها والموقع بالنسبة للقرية، والمحتويات الموجودة بها، والحقبات التاريخية التي مرت بها منذ إنشائها، ثم الوصف العام من الخارج والى الداخل، ثم النقش التأسيسي الآرامي الذي وجد بها، ومن ثم النظر إلى تقارير الحفرية الإنقاذية التي قامت بها دائرة الآثار الفلسطينية سنة 1997 في الكنيسة، بعد كل هذه بدأت أتتناول باقي الكنائس تباعاً وبنفس التسلسل في الدراسة، فقد كانت الكنائس على النحو التالي : دير سمعان وكنيسة القديس عوبديا وكنيسة القديس ثيودوروس وكنيسة أو دير القديسة انسطاسيا ثم كنيسة ودير القديسة بربارة وكنيسة الشعيره وكنيسة الميسه ثم دير مار الياس (الكوكب) .

 

        وفي النهاية وضعت قائمة بالمصادر العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية وألالمانية، ثم اختتمت الدراسة بخاتمة أوردت فيها ارتباط المسيحي الفلسطيني بأرضه ووطنه وعروبته، كما المسيح الذي ولد وعاش على هذه الأرض الطيبة، ثم وضعت في النهاية ملخص للدراسة باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية .

 

الفصل الأول :مدخل إلى التاريخ الكنسي في فلسطين

 

مواضيع الفصل الأول

- المسيحية في عصرها الأول

- الاهتمام الروماني - البيزنطي بفلسطين

- ملامح دخول الديانة المسيحية على الحضارة الرومانية

- نموذج بناء الكنيسة البيزنطي

- الكنيسة في فلسطين منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية عصر الصليبي

- نموذج بناء الكنيسة الصليبية

  1. المسيحية في عصرها الأول :

لقد نشأت المسيحية على أرض فلسطين، تحت حكم روماني ووسط ثقافة هيلينستية واضحة، إذ أخذت هذه الديانة الوليدة تتأثر بالمحيط وتؤثر به على جميع الأصعدة والمستويات، حيث بدأت تنتشر شرقاً وغرباً مُتحدية بذلك كل ما كان سائداً آنذاك، مما دفع التيارات الفكرية والأيدلوجية آنذاك إلى محاربتها .

 

بعد مدة من اعتلائه عرش الإمبراطورية ، والمناداة به من جنوده إمبراطوراً، قام الإمبراطور قسطنطين وبالتحديد سنة 313م، بإصدار مرسوماً يقضي بالتسامح الديني حيث أصبحت بموجبه المسيحية على قدم المساواة مع الوثنية واليهودية، واصبح لكل إنسان الحرية الكاملة في اختيار ديانته، وأمر برد كل الأموال والكنائس المصادرة إلى المسيحيين، مع انه لم تذكر أي من المصادر التاريخية عن بناء كنائس بالمفهوم اللاحق للكنائس إلى ما قبل مرسوم ميلان 313م، ولكن ذكرت المصادر التاريخية وأثبتت الحفريات الأثرية أن كل الكنائس التي تم بنائها ما قبل العصر القسطنطيني، لم تكن الا بيوتاً كان يسكنها رعاة الكنائس أو الأساقفة أو أحد المسيحيين، وهذه البيوت هي نفسها كانت كنائس domus ecclesiae ولكن بعد صدور هذا المرسوم (ميلان سنة 313م) بمدة قصيرة بدأ انتشار الكنائس في كل مكان بحيث لم تعد هناك أي قرية أو مدينة تخلو على الأقل من كنيسة واحدة، مع العلم أن بعض المدن مثل ام الجمال وام الرصاص ومأدبا وجرش والقدس وغيرها كان بها عشرات الكنائس، وتدريجياً اخذ الإمبراطور قسطنطين يدعم المسيحية إلى أن أعلنها ديانة رسمية للإمبراطورية سنة 321م ومنع العمل يوم الأحد وأيام الأعياد المسيحية ، وبدء يحضر الاجتماعات واللقاءات الدينية والكنسية وهذا ما أتاح للمسيحيين الأوائل فرصة الحركة بحرية والمناداة بديانتهم التي توسعت كثيراً في عهده، ويُعتبر قسطنطين وكذلك والدته الملكة هيلانة في بعض الكنائس بمثابة قديسين وذلك لِما قدموهُ للكنيسة من فرصة للأمان والانتشار، ويمكن القول بأن الإمبراطور قسطنطين الكبير قد قام بعملين مؤثرين جداً في تاريخ الكنيسة وهما :

- نقله للعاصمة من روما إلى القسطنطينية، تلك المدينة الجديدة، التي كانت مسيحية العقيدة، يونانية اللغة، شرقية الاتجاه .

- الاعتراف الرسمي بالديانة المسيحية، وذلك بعد مدة قصيرة من إعلان مرسوم ميلان سنة 313م الذي سمح للديانة المسيحية بالوجود في الإمبراطورية، والتي دخل إليها الكثيرين وبذلك أصبحت عاملاً هاماً من عوامل وحدة أجزاء الإمبراطورية الرومانية، وذلك بوجود ديانة تجمع الجميع معاً .

2. الاهتمام الروماني - البيزنطي بفلسطين :

في القرن الميلادي الأول مرت على فلسطين عموماً والقدس بشكل خاص فترات صعبة جداً، إذ في سنة 70م عندما جاء تيطس الروماني على رأس جيش قوي لإخماد الثورة المكابية والذي قضى على الثورة وهدم القدس بكاملها، وقد أمر تيطس أن تحرث ارض القدس بالمحراث، ثم في سنة 135م جاء الإمبراطور هدريان وهدم المدينة على اثر قيام آخر ثورة يهودية في القدس والتي دعيت بثورة باركوخبا سنة 132م وبنى مدينة رومانية جديدة وأطلق عليها اسم جديد وهو ايليا كبتولينا وبذلك أخذت المدينة طابعاً رومانياً صرفاً، وأما اليهود فأصبحوا لاجئين في أماكن كثيرة في باقي فلسطين وخارجها فقد وضع هدريان حدود للقدس والمنطقة المحيطة ومنع اليهود من دخولها (انظر ملحق الخرائط خارطة رقم 3) إذ أمر بطرد من بقي على قيد الحياة من اليهود في المنطقة ككل، واستمر الوضع هكذا إلى أن اعتلى عرش الإمبراطورية الرومانية الإمبراطور قسطنطين الذي مر بظروف كثيرة أدت به إلى إصدار مرسوم ميلان سنة 313م الذي قضى بالتسامح الديني، ووصل به الحال في نهاية حياته إلى اعتناق المسيحية، وبذلك تحولت القدس من مدينة رومانية إلى مدينة مسيحية مهمة هذا أدى بالتالي إلى إعطاء أهمية للتجمعات المسيحية في فلسطين عامة .

هذا وقد تطلع قسطنطين اكثر إلى تخليد ذكراه في التاريخ الكنسي وبمساعدة والدته الملكة هيلانة، والتي أخذت على عاتقها ترأُس حملة إلى الأراضي المقدسة سنة 326م ، وكان ذلك بُناءاً على تشجيع من رجال الدين آنذاك خصوصاً أثناء انعقاد مجمع نيقيه سنة 325 ، للبحث عن الأماكن المقدسة في فلسطين ، ووضع حجر الأساس لبناء الكنائس هناك والبحث عن الصليب المقدس ، ولا سيما الكشف عن القبر المقدس الذي ردمه الإمبراطور هدريان سنة 135م ، فقد بدأت الكنيسة والتي تعود في جذورها إلى الأصل الاممي، تأخذ دوراً فعالاً جداً في الأرض المقدسة مُحدثة تغيراً جذرياً لا سيما في المجتمع الفلسطيني الذي قَبل الديانة المسيحية بسرعة ، ومن هنا بدء عصر جديد على المسيحية، وبالتالي أيضا عصر جديد على الحضارة الرومانية نفسها، تظهر ملامحه بما يلي :

3. ملامح دخول الديانة المسيحية على الحضارة الرومانية :

أولا: ظهرت هناك رغبة شديدة لبناء الكنائس(انظر ملحق الخرائط - خارطة رقم 1) والأديرة تخليداً لأحداث دينية مهمة مرت على فلسطين إبان حياة المسيح على أرضها ، فقد بدأ الجميع بدعوة من الإمبراطور ووالدته في البحث عن الأماكن وتحديدها ومتابعة التقليد والتاريخ المتناقل شفوياً بين الناس والرجوع إلى بعض المصادر المكتوبة، ذلك من أجل الوصول إلى اكثر الأماكن دقة إلى الحدث الذي تم بها، من أجل تخليد تلك الأحداث، وعليه فقد تم تحديد أماكن كثيرة في فلسطين، ووضع حجر الأساس للكثير من الكنائس فيها، فقد تم استغلال فن العمارة الرومانية المزدهر اصلاً في بناء الكنائس والأديرة، وحضور الكثيرين لافتتاح هذه الكنائس ونقلاً على ما ورد في بعض المصادر التاريخية القديمة فقد أوكلت الملكة هيلانة إلى الأسقف مكاريوس، بطريرك القدس آنذاك، بأن يباشر بتحديد أماكن الكنائس ومن ثم المباشرة ببنائها ، ومن الذين كتبوا عن هذا الموضوع :

يوسابيوس القيصري (264-340م) وسقراط وسوزومانوس وتوادوريطوس، من مؤرخي القرنين الرابع والخامس الذي اقتبس بعضهم من يوسابيوس، ومن ثم ابن البطريق (930م - 328هـ ) وفيما بعد ابن خلدون (1332-1406م | 732 - 806هـ) نقلاً عن ابن الراهب ، والمقريزي (1358 - 1441م : 758-841هـ) في كتابه "القول الابريزي" .

 

ومن الكنائس القديمة التي شرع الإمبراطور قسطنطين الكبير وأمه الملكة هيلانة ببنائها أو إعادة بنائها أو ترميمها في فلسطين وخارجها فقد كانت على النحو التالي :-

 

أول كنيسة كانت في مدينة صور الفينيقية ، وذلك سنة 314موتم تدشينها من قِبل اسقف صور باولينيوس -

كنيسة جبل الزيتون أو كنيسة الصلاة الربانية في القدس -

كنيسة المهد في بيت لحم -

كنيسة ممرا أو كاتدرائية القديس إبراهيم في الخليل -

كنيسة القيامة في القدس -

كنيسة جبل سيناء أو كنيسة القديسة كاترين في سيناء -

وعند الحديث عن كنيسة ممرا في الخليل والتي تقع عند بلوطات ممرا الاموري، تلك التي كان يجلس تحتها سيدنا إبراهيم، والتي نصب خيامه بجانبها، وهي مُلك لصديقه ممرا الاموري، اخا عانر واشكول اللذان ساعدا سيدنا إبراهيم في حربه ضد كدرلعومر وحلفائه ،لإنقاذ لوط ابن أخيه، وقد قَدمت اوثيريا Eutropia والدة زوجة الإمبراطور قسطنطين التي جاءت إلى المنطقة وعاينتها، ثم أرسلت إلى الإمبراطور تطلب منه بناء كنيسة هناك تخليداً لذكرى سيدنا إبراهيم، فأرسل الإمبراطور كتاباً إلى الأسقف مكاريوس اسقف القدس يطلب منه أن يباشر ببناء كنيسة ممرا، وقد تم بناء كنيسة بالفعل وتقع الكنيسة على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشمال من الخليل على الطريق المؤدي إلى القدس، وقد قام الباحث الأب مادار Father Mader بحفريات أثرية في الموقع سنة 1930م وقد كشف عن كنيسة صغيرة على نظام البازليكا العادي وبه بعض الأعمدة، وكشف ايضاً عن مذبح كبير في الكنيسة لا يتناسب مع حجم الكنيسة، يعتقد انه المذبح الأقدم وان الكنيسة قد اعيد بنائها بحجم اصغر في الفترات اللاحقة ويبقى التوقع والتكهنات قائمة بما يختص بهذا الموقع، حيث يقول الأب مادار Father Mader يبقى هذا إلى أن تقام حفرية آثار شاملة من أجل معرفة تاريخ الموقع بشكل جيد .

 

ويذكر لنا التاريخ أن الحضارة البيزنطية قد تركت لنا كما هائلاً من الآثار التي تدل على أهمية المنطقة بالنسبة لهم ، وان الغالبية العظمى من الكنائس البيزنطية التي تم بنائها أو أعيد بنائها وترميمها في فلسطين تعود إلى فترة حكم الإمبراطور قسطنطين وفيما بعد إلى عصر الامبراطور جوستنيان، وان معظم الكنائس البيزنطية(ملحق الخرائط - خارطة رقم 1) قد تم إنشائها في أماكن مقدسة، وبالنسبة إلى طراز البناء فقد كان بمعظمه على نظام البازليكا باستثناء القليل منها والذي كان حسب طرز مختلفة سوف يأتي الحديث عنها لاحقاً .

 

4. نموذج بناء الكنيسة البيزنطية (الكنيسة الأولى) :

لم يكن هناك نموذج محدد للكنيسة حتى تلك الفترة ، وذلك لأن الكنيسة لغاية بداية القرن الرابع لم تكن معروفة البناء ولا محددة الأجزاء، فقد كانت أماكن العبادة عند المسيحيين لغاية هذا الوقت، هي domus ecclesiae البيوت الخاصة، وأحيانا بعض المعابد اليهودية، وعندما تحولت الكثير من أماكن العبادة اليهودية إلى كنائس فقد وجدت في نموذج المجمع اليهودي ارتياحاً خاصاً، لهذا فقد تأثر بناء الكنائس كثيراً بالمعبد اليهوديالذي كان اصلاً متاثراً بنظام البازليكا الرومانية، ولأن المسيحية لا تحدد نموذجاً محدداً للكنيسة فلم ترى في هذا أمرا سلبياً فقبلته، لهذا فقد كان لليهود في فلسطين دوراً في إبراز هذا النموذج، ويتضح هذا من خلال مجمع الناصرة الذي تحول إلى كنيسة، ونفس الشيء حدث في مجمع كفر ناحوم الذي كان مجاوراً لبيت القديس بطرس الذي زاره المسيح ومكث به بعض الوقت(انظر ملحق المخططات - مخطط رقم و19)، وقد قدمت أماكن العبادة اليهودية خدمة للعبادة المسيحية عشرات السنين أن لم يزيد، ومن هنا يمكن الاستنتاج من أن الكنيسة المسيحية والكنيس اليهودي يتصلان أحدهما بالآخر من الناحية المعمارية، فقد كانت الكنائس المسيحية والكنس اليهودية في العصر البيزنطي تمثلان نموذج القاعة المستطيلة ( البازليكا ) والاختلاف الوحيد في ذلك العصر بينهما كان فقط في الاتجاه أثناء العبادة، فقد كان الكنيس اليهودي يتجه صوب القدس، أما الكنيسة المسيحية تتجه نحو الشرق .

 

ومن المعابد اليهودية التي تحولت إلى كنائس كان كنيس جرش الذي تحول إلى كنيسة، وكنيس دورا اوروبس الذي كان بيتاً خاصاً تحول إلى كنيس يهودي سنة 200م ثم تحول إلى كنيسة في منتصف القرن الثالث الميلادي بعد أن جرى عليه بعض التعديلات من وضع باب للنساء ونحت زخارف فريدة في الفنون الكنسية، وهذا الكنيس يعتبر اقدم كنيس تم تحويله إلى كنيسة، ثم المجامع اليهودية في ام الجمال والناصرة وكفر ناحوم، وغيرها في فلسطين وأماكن اخرى أيضا نجد أن هناك تأثير من معابد لديانات أخرى كان لها تأثير بشكل أو بآخر في تصميم عمارة الكنائس مثل نظام الأعمدة والأروقة الذي يسمى ( البازليكا ) والذي كان مُتبعاً في المعابد الوثنية والأماكن العامة والحكومية الرومانية ، ولكن من الطبيعي أن هذه الامور كلها خضعت للملائمة مع ذلك الدين الجديد .

 

أما النظام العام الذي استقرت عليه الكنيسة فقد كان الغرفة الواحدة ذات الشكل المستطيل والمنقسمة إلى قسمين :

 

القسم الأول : وهو قاعة عامة كبيرة اطلق عليها الباحثون كما أشرنا سابقاً اسم البازليكا، وهي مستطيلة الشكل يمر على جانبيها من الجنوب والشمال خطين من الأعمدة، وبذلك تنقسم هذه القاعة إلى ثلاثة أروقة، وفي الغالب ما يكون السقف في هذا الجزء من الكنيسة مكون من أربعة أو خمسة مربعات، في معظم الأحوال كان السقف مصنوع من الخشب ويحمله الجدران والأعمدة، والرواق الأوسط من الكنيسة والذي يشكل القاعة الكبيرة والتي يدخل ويجلس بها الناس وتسمى صحن الكنيسة، ويؤدي إليها الباب الرئيسي للكنيسة .

 

القسم الثاني : وهو الجزء الذي يقع إلى الجهة الشرقية من الكنيسة وهذا القسم يسمى هيكل الكنيسة، أو مكان الكهنة ولا يحق للعامة الدخول إليه، وهو ذو شكل مستطيل قليل العرض ولكنه في الغالب بعرض الكنيسة، وفي وسطه منحنى نصف دائري مغطى بنصف قبة مغطاة في الغالب بالصور Frescos والأيقونات الدينية، أو بالفسيفساء وفي معظم الاحيان يكون هناك منحنيين آخرين على جانبي المنحنى الأوسط، ولكن في الغالب ما تكون هذه المنحنيات اصغر من المنحنى الأوسط، ويؤدي إلى هذا الجزء من الكنيسة عدة درجات صغيرة.

ومن اقدم كنائس العالم كانت كنيسة دورا اوروبس Dure Europos التي بنيت سنة 232م وكنيسة ام الجمال في حوران والتي تعود إلى سنة 244م وهي على هذا النمط ، ولها ثلاث حِنيات من الأمام متجهة إلى الشرق، أما في موضوع توجه الكنيسة إلى الشرق فلهذا الأمر جذور إنجيلية، إذ أن المسيح قد صرح مراراً لتلاميذه من أن مجيئه الثاني سوف يكون من الشرق، حتى أن التقليد المسيحي درج على دفن الموتى إلى ناحية الشرق وذلك للسبب نفسه، بشكل عام فأن هذا النموذج كان سائداً في المعابد الرومانية قبل الميلاد أما أول كنيسة في المنطقة تم بناءها حسب نظام البازليكا Basilica كانت في مدينة صور Tyre الفينيقية، وليس في فلسطين وقد قام بتدشينها الأسقف بولينوس Paulinus سنة 314م، تلك التي يعتقد أنها قد بنيت على أنقاض هيكل وثني قديم، وان المسيحيين المحليين هم الذين قاموا بهذا العمل، وهذا قريب من الفترة التي تم فيها إنشاء أول كنيسة بازليكا في روما، والتي أطلق عليها اسم كنيسة القديس جوفاني وذلك في مدينة لاترانو San Giovani Laterano أما بالنسبة إلى مقدمة الكنيسة فقد كانت تبنى على نظامين :

 

الأول : وجود منحنى نصف دائري في وسط الجدار الأمامي للكنيسة، وهذا النظام مثل ما هو في كنيسة الجسمانية وكنيسة الطابغه وكنيسة خربة كوفين بجانب الخليل وكنيسة الصياغة في مادبا ومعظم كنائس قرية عابود مثل كنيسة مار عوبديا (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 15) وكنيسة القديسة انسطاسيا (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 14) وكنيسة القديسة برباره (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 13) وغيرها من الكنائس .

 

الثاني : وجود ثلاث منحنيات نصف دائرية في الجدار الأمامي للكنيسة، المنحنى الأوسط منهم يكون الأكبر ويتوسطه مذبح الكنيسة، وهذا النموذج هو السائد اكثر، ومنتشر بكثرة قديماً وحديثاً ونجد مثل هذا النموذج في كنائس متعددة في فلسطين ففي قرية عابود نجد كنيستين على هذا الطراز وهما، كنيسة العذراء مريم وكنيسة القديس ثيودور .

 

أما إذا نظرنا إلى الكنائس المسيحية المنتشرة وتتبعنا تطور بنائها عبر الزمن فسنجد أنها مرت بمراحل تطور متعددة إلى أن وصلت إلينا اليوم بهذه الصورة، فمراحل تطور بناء الكنائس كانت على النحو التالي :-

-1 مرحلة ما بعد السيد المسيح مباشراً حيث كانت تقام العبادة المسيحية إما في بيوت المؤمنين بها domus ecclesiae ، أو في اماكن العبادة اليهودية ومع اليهود، وذلك لكون الديانة المسيحية مكملة للديانة اليهودية وذلك استناداً على قول المسيح "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لاكمل" والعهد القديم جزء من الكتاب المقدس الذي يؤمن به المسيحيين، وقد استمر هذا الحال إلى أن بدء الاضطهاد اليهودي على المسيحيين، خصوصاً بعد مقتل الشهيد استيفانوس أول شهيد بالمسيحية على يد اليهود، ومن ثم بدأت الديانة المسيحية تأخذ طابعاً سرياً وبالتالي انفصلت دور العبادة المسيحية عن دور العبادة اليهودية، مما أدى إلى تبلور الهوية المستقلة للمسيحيين .

-2 مرحلة ما قبل مرسوم ميلان 313م حيث كانت أماكن العبادة المسيحية في بيوت المؤمنين بها أو رجال الدين وفي الغابات والحقول احياناً، مثل بيت بطرس في كفر ناحوم وبيت مرقس في القدس وغيره، ولم تعد العبادة في المجامع اليهودية، إضافة إلى بعض الكنائس القليلة التي وجدت في عصر الإمبراطور دكليديانوس Diocletians (284-305م) مع أن عصر هذا الإمبراطور كان مليء بالاضطهاد الشديد على المسيحيين .

-3 مرحلة ما بعد مرسوم ميلان 313م حيث بدأت تظهر الكنائس، ولكن معظمها كان أما تحويل لبعض المعابد الوثنية إلى كنائس أو ترميم المعابد الوثنية المهجورة واعادة استخدامها .

-4 مرحلة ما بعد مجمع نيقية 325م حيث شجع الاسقف المقدسي مكاريوس الإمبراطور قسطنطين وامه الملكة هيلانه على القدوم إلى البلاد المقدسة والمباشرة ببناء الكنائس في الأماكن المسيحية المهمة، وقد ظهرت في هذه المرحلة الكنائس المهمة والضخمة مثل كنيسة القيامة وكنيسة المهد وكنيسة الصعود وغيرها، كما صاحبت هذه المرحلة حركة بناء وعمران واسعة للكنائس في كل مكان، بحيث لم يعد تخلو قرية أو مدينة في البلاد المقدسة من الكنائس .

-5 فترة حكم الإمبراطورة اديسا Eadocia empress زوجة الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، فقد بنت هذه كنائس كثيرة في القدس وما حولها، كان منها كنيسة القديس استيفانوس وكنيسة يوحنا المعمدان وكنيسة بركة سلوان وغيرها .

-6 فترة حكم الإمبراطور جوستنيان (527-563م) الذي قام بنشاطاً عمرانياً واسع النطاق في مجال بناء الكنائس، ومن الكنائس التي قام ببنائها أو أعاد بنائها كانت كنيسة جبل جرزيم في نابلس وكنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة والدة الإله الجديدة New Church of Theotokos في القدس وكنائس جرش وغيرها فقد بني حوالي 69 كنيسة في فلسطين خلال مدة حكمه التي استمرت حوالي اربعين سنة .

-7 القرن السادس، زمن الاحتلال الفارسي لفلسطين 614-628م وهذه فترة لم يتوقف فيها بناء الكنائس فحسب بل هُدمت معظمها وأُخذت حجارتها إلى أماكن مختلفة حيث تم اخذ المتميز منها إلى بلاد فارس واستخدم بعض حجارتها في بناء بعض البيوت والبنايات المحلية الاخرى كما حدث في عابود .

-8 فترة ما بعد الفتح الإسلامي سنة 638م فقد استمر بناء وترميم الكنائس ولكن بعدد قليل وبجودة اقل وبإتقان أدنى في البناء، وهناك الكثير من الأمثلة على بناء الكنائس بعد الفتح الإسلامي نذكر منها على سبيل المثال، بعض الكنائس في عابود مثل كنيسة القديس عوبديا وكنيسة القديسة انسطاسيا، وهناك كنيسة في وادي الأردن تبعد ثلاثة أميال إلى الشرق من أريحا في منطقة خربة النتله en-Nitle وغيرها من الكنائس في مناطق مختلفة من فلسطين وما حولها.

 

أما أنواع الكنائس البيزنطية القديمة التي وجدت في الفترة ما بعد إصدار مرسوم ميلان سنة 313م، من حيث البناء وتشكيله وأقسامه فنجده على النحو التالي :-

-1 البازليكا Basilica : وهي عبارة عن قاعة مستطيلة الشكل، مقدمتها إلى الشرق، وتقسم إلى ثلاثة أروقة، الرواق الأوسط ويدعى الصحن nave والرواقين الجانبيين الجنوبي والشمالي فيدعى كل منهما aisle ويفصل بين هذه الأروقة خطوط طولية متعددة من الأعمدة التي تحمل الأقواس والتي بدورها تحمل السقف (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 1)، وهذا النوع من الكنائس يقسم إلى أربعة أنواع :-

ا

- البازليكا العادية Standard Basilica : وهذا النوع من الكنائس هو الأكثر انتشاراً، والكنائس ذات هذا النظام تأخذ شكل المستطيل الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام طولية، يقسم بينها خطين من الأعمدة مشكلة بذلك ثلاثة أروقة، يكون الرواق الأوسط (صحن الكنيسة) اكثر عرضاً من الرواقين الجانبيين، وهذا النموذج يشبه كنيسة العذراء مريم وكنيسة القديس ثيودور في عابود (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 2) .

ب

- البازليكا ذات الغرفتين الملحقتين على جانبي الكنيسة Basilica with apsidal transept : وهذا النوع من الكنائس في الغالب يحتوي على ثلاثة انحناءات أمامية للكنيسة، وفي بعض الاحيان نجد هذه الانحناءات بارزة إلى الخارج واحياناً اخرى نجد أن هذه الانحناءات عبارة عن تجويف في داخل الجدار نفسه بحيث لا تظهر من خارج الكنيسة(، انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 2)، وهذا النوع قليل جداً، وهناك نموذج لهذا النوع في المنطقة التي بناهاالإمبراطور جوستنيان في كنيسة المهد (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 22 من اجل إيضاح الغرفتين الجانبيتين)، كما ويظهر ايضاً في كنيسة الطيبه et-Taiyiba وكنيسة القديسة مريم في عابود(انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 2) .

ت

- البازليكا ذات الغرف الملحقة على جانبي الكنيسة والتي تحتوي على بعض النقوش والزخارف Basilica with an inscribed rectangular transept : وهذا النوع محدود جداً ولم يتم الكشف إلا عن كنيسة واحدة من هذا النوع في البلاد المقدسة وهي كنيسة الطابغة Heptapegon عند بحيرة طبريا .

ث

- البازليكا بدون سقف Basilica Discoperta : والنموذج الوحيد الذي تم الكشف عنه من هذا النوع في المنطقة كانت كنيسة في قيصارية .

-2 المصلى أو الكنيسة الصغيرة The Chapel :والنظام العام لهذا النوع هو عبارة عن قاعة صغيرة نسبياً بالمقارنة مع الكنائس العادية، ولها من الجهة الشرقية منحنى واحد، ونجد على سقف بعضها قبة صغيرة، وافضل مثال على هذا النوع كان المصلى الذي وجد في منطقة الطابغه والذي يعود إلى القرن الرابع ومصلى آخر وجد في منطقة الخان الأحمر ما بين القدس أريحا ومصليين وجد بهما نقوش، عرف الأول باسم كنيسة القديس ثيودور بجانب بيت لحم والثاني عرف باسم كنيسة يوحنا المعمدان في القدس، وهناك بعض الكنائس في عابود يمكن أن تدرج تحت اسم مصلى مثل كنيسة مار عوبديا وكنيسة انسطاسيا وكنيسة برباره (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 13، 14 ، 15).

-3 الكنائس ذات المخطط المركزي Churches with a cantralized plan : وهذا النوع من الكنائس قليل وذلك لصعوبة بنائه إذ أن القباب تكون محمولة على السقف أو على أعمدة داخلية في البناء وليست على الجدران الخارجية إضافة إلى طريقة وضع الأروقة في الكنيسة، وهذا النوع يحتاج إلى تقنيات متطورة في فن البناء والعمارة، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين :-

ا

- الكنائس الدائرية والمثمنة Circular and Octagonal Churches : وهناك عدة نماذج من هذا النوع أهمها كنيسة والدة الإله Theotokos على جبل جرزيم والتي تعود إلى القرن الخامس(انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 20)، وكنيسة كفر ناحوم وكنيسة اخرى في قيصارية وكنيسة أخرى في ام قيس (جدارا) وكنيسة علية صهيون، ذلك البيت الذي أُقيم به العشاء الأخير وقد شاهده المطران اركولف أثناء زيارته إلى الأراضي المقدسة وأشار إليه على أنها كنيسة دائرية، وهذا النوع من البناء وجد ايضاً في بنايات بيزنطية قديمة .

ب

- الكنيسة المصلبة Cruciform Churches : وهذه عبارة عن أربعة مستطيلات متصلة مع بعضها البعض من جهة أحد الأضلاع القصيرة للمستطيل، وتشكل الكنيسة التي تأخذ شكل الصليب، ومن الكنائس ذات الشكل المصلب نجد كنيسة بئر يعقوب في نابلس والتي تعود إلى القرن الرابع (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 23) وكنيسة قبر العذراء مريم في القدس والتي تعود إلى القرن الرابع ايضاً، وقد رسم مخطط الكنيستين الحاج الاسقف اركولف عند زيارته للأراضي المقدسة سنة 670م .

 

بشكل عام فإن نموذج الكنيسة قد بدأ يأخذ شكله النهائي في أوائل القرن الرابع، وفق ما جاء من نماذج مختلفة، والذي تميز معظمه بشكل القاعة العامة الرومانية (البازليكا) الذي كان منتشراً في الإمبراطورية الرومانية مع إضافة بعض العناصر المهمة لاقامة الصلوات .

 

ثانياً : بدأت الحضارة الرومانية تأخذ طابعاً جديداً مميزاً نظراً لتأثرها بالديانة الجديدة فالحضارة الرومانية التي جاءت نتيجة تراكمات حضارية كثيرة، كان من أوضحها عليها الحضارة الهيلينية والهيلينستية لهذا نجد أن مقومات الحضارة البيزنطية هي : -

1

- الإرث الحضاري الروماني .

2

- الحضارة اليونانية الهيلينستية .

3

- الإرث الحضاري السامي .

4

- الديانة المسيحية .

 

ثالثاً : تم تحويل الكثير من المعابد الرومانية القديمة أو مراكز العبادة اليهودية إلى كنائس في فلسطين وخارجها مثل ، معبد افروديت Aphrodito في دمشق، الذي تم تحويلة إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان ومنطقة الحرم الإبراهيمي الذي كان مقبرة لليهود، فقد تم إقامة كنيسة بيزنطية هناك ومعبد فينيس Venus في القدس الذي تم تحويلة إلى كنيسة أطلق عليها اسم كنيسة القيامة في نفس مكان القبر المقدس وبالقرب من الصخرة التي انتصب عليها صليب المسيح، وهيكل وثني آخر كان في مدينة صور Tyre ، والذي تم ترميمه وتحويله إلى كنيسة .

 

رابعاً :انتشار الرهبنة كنظام في حد ذاته مما زاد من بناء الكنائس والأديرة وهذه بدورها قدمت خدماتها الكثيرة إلى الحجاج الوافدون من معظم أقطار العالم، مما أدى إلى انتشار مبدأ الرهبنة المسيحية .

 

خامساً : بدأت الكنيسة تظهر كمؤسسة حاكمة لها تأثير وسلطان فعال في تسيير دفة الحكم في البلاد، إضافة في كونها ذات تأثير في المجتمع الروماني متمثلة بقادتها إذ شكلت عاملاً مهماً من عوامل وحدة الشعب ذو الخلفيات المختلفة في داخل مجتمع واحد في الإمبراطورية الرومانية.

 .5. الكنيسة في فلسطين منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية العصر الصليبي :

الاهتمام الإسلامي : هناك اهتمام بفلسطين من مختلف الجهات وفي مختلف العصور، وكما تحدثنا عن الاهتمام الروماني والبيزنطي بفلسطين، فهناك اهتمام إسلامي أيضا ، إذ زار النبي (ص) هذه البلاد أثناء اشتغاله بالتجارة، وزارها أيضا في حادثة الإسراء المباركة وهناك أحاديث نبوية كثيره عن فلسطين عامة والقدس بشكل خاص .

يُعتبر انطلاق القبائل العربية الإسلامية من الجزيرة العربية اتجاه الشمال صوب الشام والعراق ومصر ، من أهم أحداث العالم في الحقبة الأخيرة من العصور القديمة وبدء العصور الوسطى ، فبعد فترة قليلة جداً من طرد البيزنطيين للفرس من المنطقة وما صاحب هذا الاحتلال الفارسي من دمار وتخريب ، بدأت الجيوش الإسلامية بالتحرك إلى الشمال مُحدثة تغيراً جذرياً في تاريخ المنطقة ككل .

وللرد على الذين يعتقدون من أن الفترة الإسلامية المبكرة كان بها شيء من هدم الكنائس، نقول انه كان هناك بالفعل هدم أو تحويل في الاستخدام أو هجر، ولكن لكل هذا أسبابه التي تعود إلى التغيير في التوزيع السكاني المسيحي في فلسطين بعد الفتح الإسلامي لها، فقد قام السكان بتحويل استخدام الكنيسة بسبب تحويل ديانتهم، أو قاموا بهجر الكنيسة ذلك لانهم هجروا المنطقة، إذ صاحب دخول القوات الإسلامية إلى فلسطين هجرة الكثير من أهلها البلاد مع الجيش البيزنطي المهزوم، ولكن نرى بالفترة الإسلامية نشاطاً عمرانياً مسيحياً في فلسطين، حيث نجد هناك مجموعة من الكنائس تم إنشائها في الفترة الإسلامية وخصوصاً الفترة المبكرة، وهذه بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر :

1- كنيسة الثالوث الأقدس في بيت جبرين .

2- قام البطريرك المقدسي صفرونيوس ببناء كنيسة القديس استفانوس على اسم الكنيسة التي هدمها الفرس أثناء الاجتياح الفارسي لفلسطين سنة 614م .

3- ثلاث كنائس في عابود قد تم بنائها في القرن السابع أي بعد الفتح الإسلامي بمدة قصيرة .

4- دير الرهبان الطليان على جبل الزيتون بالقدس .

5- كنيسة الخضر أو القديس جورج في اللد والذي تم إعادة بنائها سنة 652م بعد أن هدمها الفرس سنة 614م.

6- كنيسة القديسة مريم المجدلية للأقباط، والتي تم بناؤها في القدس ما بين سنة 819-830م .

ويعود سبب انتهاء دور بعض الكنائس في فلسطين إلى الأسباب التالية :

1- الهزات الأرضية : فقد تعرضت البلاد إلى عدة هزات كانت على التوالي : سنة 633م، وفي حزيران من سنة 659م، وفي صيف سنة 660م، وفي يوم 9 آذار من سنة 757م .

2- التدمير المتعمد للكنائس : وقد حدث هذا لمعظم الكنائس في فترة الاحتلال الفارسي لفلسطين 614-628م ولقليل من الكنائس في فترات الحكم الإسلامي المختلفة مثل كنيسة الحجاج في شيلو، وكنيسة العذراء في عابود، وكنائس وادي عربه، وغيرها ولكن هذا يعود إلى أسباب متعددة منها السبب السياسي والذي يعود إلى هدم كل شيء له علاقة بالبيزنطيين المنهزمين أمام التقدم الإسلامي، ومن هذه الأمور كانت مراكز وكنائس الحجاج .

3- التحول : أي الاستخدام الجديد للكنيسة وكان اغلب هذا التحول إلى المساجد، وذلك لتحول الناس إلى الدين الإسلامي في بعض المناطق أو لهجرة الكثيرين من المسيحيين مع الجيش البيزنطي الهارب من أمام الزحف الإسلامي، وهناك من حول الكنائس إلى سكن .

 

هناك مشكلة ظهرت منذ أوائل القرن السابع، وهي مشكلة اخذ حجارة الكنائس التي تهدمت نتيجة أمور متعددة، مثل الهدم وقت الحرب أو نتيجة الزلازل وغيرها، واستخدامها في بناء بنايات اخرى، مثلاً في سنة 620م وفي فترة حكم الفرس لفلسطين فقد تم نقل الكثير من الحجارة المتميزة والتي كانت مستخدمة في بناء الكنائس، وقد تم تدميرها من الفرس، فقد نقلت إلى بلاد فارس، من اجل استخدامها في بناء بعض البنايات هناك، أما في الفترة الإسلامية فقد كان هذا الأمر بسيطاً وقليلاً جداً، ولكنه حدث في بعض المناطق، حيث يقول ابن البطريق (930م-328هـ) أن الوليد بن عبد الملك عندما هم ببناء قبة الصخرة، " وقلع قبة كانت للنصارى في كنيسة مدينة بعلبك، وكانت القبة من نحاس مطلية بالذهب، فنصبها على الصخرة" وهناك قول يقول أن عبد الملك بن مروان سنة 691م هم بأخذ بعض الحجارة والأعمدة من كنيسة الجسمانية في القدس، التي كان قد هدمها الفرس سنة 614م ولم يقم المسيحيون بإعادة بنائها، وذلك من اجل إعادة بناء مسجد مكة المكرمة، ولكن بعض المسيحيين آنذاك مثل سرجويوس أبو القديس يوحنا الدمشقي، طلبوا منه عدم أخذها فوافق، وهناك قول آخر للمقدسي (985م-375هـ) يقول انه عندما أراد هشام بن عبد الملك أن يبني مسجد الرملة، قيل له " أن للنصارى أعمدة رخام مدفونة تحت الرمل استعدوها لكنيسة بالعة، فقال لهم هشام بن عبد الملك : أما أن تظهروها، واما أن تهدم كنيسة لد، فنبني هذا الجامع على أعمدتها، فأظهروها وهي غليظة، طويلة، حسنة " وهناك أحجار كثيرة أخرى كان قد أخذها بعض السكان بشكل فردي من اجل استخدامها في بناء بيوتهم، كما هو الحال في بعض بيوت قرية عابود حيث اخذ بعض السكان من حجارة كنيسة القديس ثيودور من اجل بناء بيوتهم(انظر ملحق الصور - صور رقم 42-43) .

 

 

الاهتمام الصليبي : كان هناك أيضا اهتمام صليبي بفلسطين جعلهم يأتون إلى بلادنا لاحتلالها، ومن أسباب هذا الاهتمام نجد: السبب الديني الذي يتلخص في أهمية فلسطين بالنسبة للديانة المسيحية وخصوصاً في موضوع الحج وتأمين طريقه، ثم السبب الكنسي الذي يتلخص في رغبة البابا بتأسيس كنيسة لاتينية في الشرق، كل هذه وأسباب فرعيه أخرى أدت بالبابا ايربان الثاني إلى إعلان هذه الحرب التي دعاها حرباً مقدسة لتحرير الأراضي المقدسة ، وقد استغل قرار الحاكم بأمر الله الفاطمي بهدم كنيسة القيامة سنة 1009م أسوء استغلال من قبل الداعين والمشجعين إلى هذه الحرب، وقد علل الحاكم بأمر الله سبب هدمه لكنيسة القيامة من أن ملك الروم كان يأتي لصلاة بها كل سنة متخفياً كي لا يعرفه أحد، وقد بلغ هذا الأمر إلى الحاكم، فارسل إليه أحد حراسه وقال له " اذهب عنده وقل له : أن الحاكم ارسلني إليك ويقول : لا تحسبني اجهل أمرك ولكن كن اميناً فلن أقصدك بسوء" وبعد هذا أمر الحاكم بالإغارة على الكنيسة فهدمها وخربها .

كل هذه الأسباب مجتمعة تُوجت بالخطاب الذي ألقاه البابا ايربان الثاني Urban II ذو الأصل الفرنسي بتاريخ 26-11-1095م في مدينة كليرمون في جنوب فرنسا ، وذلك أثناء انعقاد مجمع كليرمون Clermont والذي عُقد من 19-8 إلى 28-11-1095 ودعا فيه إلى الحرب المقدسة، والحج الجماعي إلى الأرض المقدسة، وتعالت صيحات الناس في كل مكان قائلة "Deus Le valt " أي الله يريد هذا، ومن ثم بدأت الحشود تأتي للتطوع بهذه الحرب .

 

وقد شكل الصليبيين في فلسطين شريحة جديدة من شرائح الشعب فيها اختلطت هذه النسبة بالسكان بنسب متفاوتة، حيث سكن بعضهم مع السكان الأصليين وشاركوهم العيش في مدن كثيرة، مثل بيت لحم وعين كارم وابو غوش وغيرها، كما وسكن بعضهم في الأماكن النائية مثل الأبراج والقلاع المنتشرة في كل مكان وقد كان يقدر عدد الصليبيين في فلسطين بحوالي 140,000 منهم ما يقدر 10- 20 ألف فقط يسكن في أماكن صليبية منعزلة، وقد تزاوج الصليبيون مع السكان المحليين مسيحيين ومسلمين على حد سواء وقد قام الصليبيون بحركة عمران واسعة في المنطقة خاصة في مملكة القدس الصليبية والتي امتدت ما بين العقبة جنوباً إلى بيروت شمالاً وساحل البحر المتوسط غرباً إلى حدود الصحراء في الأردن شرقاً، وكان مما قاموا ببنائه في هذه الأرض الكثير من الكنائس والأديرة وخاصة تلك التي اعيد بناؤها على أنقاض كنائس اقدم يعود معظمها إلى الفترة البيزنطية، وهناك بعض الامور الاخرى التي قاموا ببنائها مثل القلاع والحصون والأسوار والأبراج وغيرها، إضافة إلى إنشاء مستوطنات صليبية كبيرة وتجمعات سكنية صليبية داخل المدن والقرى العربية .

 

.6 نموذج بناء الكنيسة الصليبية :

من أهم ما ترك لنا الفرنجة من آثار في هذه البلاد كانت الكنائس وقد اعتمدوا في بناء الكنائس على خلط الطراز الأوروبي القوطي الغربي مع الطراز السوري-الفلسطيني المتأثر بالعمارة العامة اليونانية-الرومانية المدنية والتي أُطلق عليها اسم البازليكا، ولتزيين الكنائس ايضاً فقد اعتمدوا على خلط الزخارف البيزنطية القديمة مع الزخارف السامية الشرقية القديمة والتي كانت موجودة في الشرق قبل المسيحية نفسها، إضافة إلى عناصر زخرفية قوطية أحضروها معهم من أوروبا، فنتج لدينا طراز جديد في المنطقة يحمل عناصر معمارية وزخرفية قديمة، ولكن بتشكيل جديد مضاف إليه عناصر معمارية وزخرفية مستوردة ودخيلة جاء بها الفرنجة من الغرب، كل هذا الخلط في الانماط المعمارية الزخرفية دعي بالنمط الصليبي أو الفرنجي، ايضاً نرى التقليد واضح في مبانيهم، فقد قلدوا كنيسة القيامة وقبة الصخرة المشرفة وغيرها ونرى اليوم بعض أجزاء من كنيسة القيامة وخاصة الجرسية هي من أعمال الفرنجة، ثم الكثير من الكنائس المنتشرة في كل فلسطين، مثل كنيسة العذراء مريم في البيره، ذات الطراز الفرنجي، ويمكن القول أن الكنيسة الفرنجية وجدت في فلسطين قبل الحروب الصليبية نفسها بشكل قليل وبمدة بسيطة، ولكنها كانت تحت اسم الكنيسة اللاتينية، حيث أُقيمت في فلسطين مجموعة من الكنائس اللاتينية، ففي القرن الميلادي التاسع تم بناء كنيسة على جبل الزيتون وأخرى في جنوب القدس وبنيت كنيسة القديسة مريم جنوبي كنيسة القيامة ما بين سنة 807-820 وقد كان عدد الكنائس في القدس فقط بالقرن الميلادي التاسع 28 كنيسة، بالإضافة إلى 26 كنيسة أخرى في المناطق المجاورة للقدس مثل جبل الزيتون والعيزرية وغيرها، إضافة إلى بناء بعض الكنائس في الأراضي المقدسة على النمط البيزنطي ولكن في الفترة الصليبية وذلك لان المسيحيين المحليين الشرقيين هم الذين قاموا بالبناء، وهذا ما حدث مع بعض الكنائس في قرية عابود .

       

        تأثر بناء الكنائس الصليبية بعدة عوامل أهمها :-

1- نظام بناء الكنيسة القوطية الغربية الذي كان منتشراً في أوروبا والذي حمله الفرنجة معهم إلى الشرق .

2- نظام بناء الكنائس الشرقية ذات الطابع الروماني اليوناني القديم المتأثر بالمباني العامة المدنية الرومانية والتي أخذت اسم البازليكا .

3- بعض الأشكال الاخرى في البناء مثل الكنائس الدائرية والمضلعة والمصلبة وغيرها من النماذج الاخرى التي لم تنتشر بكثرة في فلسطين .

نظام بناء الكنيسة الصليبية

1- القاعة المستطيلة المقسمة إلى ثلاثة أروقة أو اكثر من خلال خطوط الأعمدة(انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 22) .

2- الأعمدة الضخمة ذات الشكل المربع والذي يتخلله بعض الزوايا النصف دائرية، ومن نماذج قواعد الأعمدة التي وجدت في الكنائس الفرنجية في فلسطين (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم 24) .

3- المنحنيات الشرقية الأمامية للكنيسة، أما أن يكون منحنى واحد أو ثلاثة منحنيات، وقد تميزت هذه المنحنيات في الكنيسة الفرنجية بالضخامة النسبية .

4- بشكل عام نجد الأعمدة بكثرة في الكنيسة الفرنجية، فنراها على قوائم الأبواب والنوافذ وعلى الجدران والزوايا الخارجية لبناء الكنيسة، مثل ما نراه اليوم على قوائم أبواب ونوافذ كنيسة القيامة في القدس، إضافة إلى الأعمدة وأنصاف الأعمدة التي توجد حول دعامات الكنائس في وسط الكنائس من الداخل (انظر ملحق المخططات - مخطط رقم24) .

5- يرتفع هيكل الكنيسة بضع درجات عن باقي قاعة الكنيسة .

6- الناحية الزخرفية التي اهتمت بالحفر على الحجارة والتماثيل الحجرية وليس على الصور والألوان .

7- وجود الجرسية في الكنيسة، وهذا النظام الذي كان منتشراً في أوروبا .

8- بشكل عام أخذت الكنيسة الفرنجية شكلاً اضخم من الكنائس البيزنطية .

9- إتقان الأرضيات الفسيفسائية كان اقل في الكنيسة الفرنجية عنه في الكنيسة البيزنطية

 

الفصل الثاني : رام الله

 

مواضيع الفصل الثاني

- رام الله في التقسيم الإداري

- الأسماء القديمة لرام الله

- آثار رام الله والمنطقة المحيطة

 

 

1. رام الله في التقسيم الإداري :

ترتفع المدينة حوالي 900 متر عن سطح البحر ، وتقع ضمن حدود المنطقة الوسطى من فلسطين ، فهي تبعد عن القدس مسافة 16 كيلومتر إلى الشمال ، وتقدر مساحتها بحوالي ألف وتسعة عشر ( 1019 ) دونم، فقد وقعت المدينة حسب التقسيمات الإدارية المختلفة ضمن الإدارات التالية :-

 

1

كانت تقع في التقسيم القديم الذي قسم ارض فلسطين بين أسباط بني إسرائيل (انظر ملحق الخرائط - خارطة رقم 5)، ضمن مقاطعة اليهودية ، على الحدود ما بين اليهودية والسامرة .

2

كانت تقع في التقسيم البيزنطي ضمن مقاطعة فلسطين الأولى Palaestina Prima والتي كانت عاصمتها مدينة قيصرية (انظر ملحق الخرائط - خارطة رقم 4) .

3

أما في التقسيم الإسلامي الذي بدأ بالفترة الأموية واستمر إلى الفترة الفاطمية، فقد كانت المدينة تقع ضمن جُند فلسطين (انظر ملحق الخرائط - خارطة رقم 7)، والتي كانت عاصمته مدينة الرمله التي بناها سليمان بن عبد الملك .

4

خلال الفترة العثمانية فقد بدأت الدولة بالاهتمام بالمدينة، حيث باشرت بتعبيد الطريق الذي يصل القدس برام الله سنة 1902 وفي نفس السنة عينت لها مدير ناحية وهو احمد مراد من القدس بعد أن رفعوا درجتها من قرية إلى بلدة، وأصبحت قصبة لناحية تحمل اسم ناحية رام الله، وكان آخر مدير ناحية عثماني عينته الحكومة العثمانية لها سنة 1916 هو جميل العمري من حلب، إلى أن دخلت القوات البريطانية إليها في 27\12\1917.

هذه المدينة التي تحتل مركزاً حضارياً مهماً في هذه الأيام، لم تُذكر باسمها الحالي "رام الله" في أي من المصادر التاريخية القديمة ، وخاصة ما قبل الصليبي منها ، مع أن الكثير من المواقع المحيطة بها قد ذُكرت ، أمثال : الطيرة - بتين - البيره - بيتونيا - عابود - جفنا وغيرها .

2. الأسماء القديمة لرام الله :

هذا وقد أدى عدم ذكر مدينة رام الله في المصادر التاريخية إلى إثارة البحث والتحليل عن اسم آخر للمدينة قد تكون ذكُرت به عبر التاريخ وقد وصل بعضهم إلى هذه الآراء :

-1رامتا يم صوفيم : ذُكرت في الكتاب المقدس في عدة مواضع منها 1صم 1:1 والتي تعني "مرتفعات الصوفيين" وهى مسقط رأس النبي صموئيل ومكان دفنه، أيضا كما يذكر سفر 1صم 25: 1 ، ويذكر الاسم أيضا سفر المكابيين الأول .

-2جليات ايلوهيم :قرية الملك شاول .

-3-فكولا أو فيكولا : التي ذكرها المؤرخ يوسيفوس .

-4-رامالي Ramalie أو Ramallie : مستعمره زراعية صليبية .

-5-الرامه : كلمة آرامية الأصل لكنها اسُتخدمت في اللغة العبرية ، وهي تعني مرتفع أو أكمة، ويذكر الإنجيل أن رجل يدعى يوسف الرامي قد قدم طلباً إلى الوالي أن يسمح له بان يدفن جسد المسيح .

 

3. آثار رام الله والمنطقة المحيطة :

الآثار الموجودة في رام الله وما حولها ، هي بغالبيتها صليبية ، وذلك يعود إلى دخول المنطقة ضمن حدود مملكة القدس الصليبية واهتمامهم بالمنطقة وخصوصاً في مجال الزراعة .

ومن الآثار الموجودة في رام الله -:

 

-1

البرج الصليبي الذي كان موجوداً في حارة الشقرة والذي هُدم قبل عدة عقود من الزمان .

-2

مقام أبونا إبراهيم الخليل ، الذي كان موجوداً في وسط البلد .

-3

البَد أو المعصرة، فقد كانت هناك معصرة زيتون في وسط البلد ، وقد عُثر بجانبها على حجرين دائريين يُستخدمان لدهس الزيتون .

 

هذه الآثار التي كانت موجودة في وسط رام الله، أما الآثار الأخرى المحيطة والتي تدخل اليوم ضمن حدود منطقة رام الله والبيره فهي على سبيل المثال :-

 

خربة الطيره ، او كفر غملا ، خلة العدس ، عين أبو الكرز ، رأس الطاحونة ، كنيسة العائلة المقدسة : أو كنيسة القديسة مريم ، برج البردويلومستشفى ودير للرهبان والفرسان وخان قديم ، تابوت رصاصي يحمل نقوش وثنيه وأخري مسيحية ، يعود تأريخه إلى القرن الثالث الميلادي ، خربة ردانه ، تل النصبه وخربة شويكه .

 

هناك الكثير ايضاً من الآثار القديمة ، فيقول بعض الأثريين إن الأودية المحيطة برام الله كانت مليئة بالقبور القديمة والأواني الفخارية القديمة والتي تعود إلى عصور مختلفة ، إلا إن أكثرها ضاع تحت فؤوس الحجارين .

 

تغيّر سكان ه